>> dimanche 30 novembre 2008
بطلة قارية في رياضة الجمباز تستجدي لسد رمقها
تتوسل السعدية دليل ، بطلة المغرب و العرب في رياضة الجمباز، خلال السبعينات ، و بنبرة المتعالي، و بأنفة البطلة ، إلى من يمنحها ما يمكنها من سد الرمق، و يحفظ لها كبريائها، و يقيها مرارة الاستجداء، و يعوضها عن تنكر ناديها، و من خلاله الوطن، لانجازاتها الرياضية، و هي التي صرفت نظرها عن مواصلة الدراسة لرفع راية المغرب في المحافل الدولية
اليوسفية: احمد زهير
تكابد بطلة المغرب في رياضة الجمباز خلال السبعينات، السعدية دليل، من اجل الحصول على لقمة عيش ، تسد رمقها، و تستجدي ناديها الساق، ومن وراءه المؤسسة المحتضنة له، للحصول على فرصة عمل، مهما كانت طبيعتها، مدربة لرياضة الجمباز كما كانت كذلك طيلة الخمس سنوات الأولى في الثمانينات، أو منظفة، و حتى شغالة ، أو دونهما ، لتتمكن من مواجهة مصاريف الحياة، و تحقيق و لو دخل يسير ، مهما كانت قيمته، يقيها سطوة الإملاق ، و يدفع عنها الحاجة و الاستجداء.
السعدية دليل، حاليا لا دخل لها، بئيسة و معدمة، عركتها الحياة وهزمتها، و هي التي تعودت على الانتصار تلو الآخر في المحافل الوطنية و الدولية ، بطلة قوية ، كما كانت ، على البساط الأزرق، ضعيفة، منهزمة و ذليلة في معترك الحياة.
و الحقيقة أن الجلوس إلى هرم رياضة الجمباز على الصعيد الوطني و الإفريقي و العربي خلال السبعينات، و الاستماع إلى مسارها الرياضي ثم إلى خيبتها و تنكر ناديها و البلد ككل لعطاءاتها، ثم معاينة ،واقعها المعيشي، و البراكة التي تحيا ( بدل تعيش ) داخلها ، و التي نصبت بعشوائية فوق احد السطوح بأحد أفقر أحياء المدينة فيه الكثير من العنث، و الإحساس بالخيبة و المرارة، و فداحة تنكر الوطن، و بالأحرى جزء من مسؤوليه، لأبطال رفعوا علم المغرب في أرقى المحافل الدولية و ينهون مشوارهم الرياضي بصمت، يلملمون ملابسهم الرياضية، و أغراضهم البئيسة و بعضا من ذكرياتهم، و يتيهون في لجة الحياة، دون أن يلتفت إليهم احد، أو يتذكرهم، أو على الأقل ، يشير إلى مسارهم.
السعدية دليل تتوسل الآن ، بنبرة المتعالي، و بأنفة البطلة ، إلى من يمنحها ما يمكنها من سد الرمق، و يحفظ لها كبريائها، و قد تسربت خربشات الفقر إلى ملامحها، و تكهل جسدها قبل الأوان، هذا الجسد الغض، الذي كان يبهرنا، و نحن في مقتبل العمر، برشاقته، و بليونته المفرطة، و بانسيابه في حركات بهلوانية خاطفة، و الذي كنا نتسلل إلى الملعب، المحظور علينا حينذاك، نحن المطمورين في أسمالنا، ذوي السحنات الفقيرة، لنتلصص بأعيننا على ابنة الدرب، الفقيرة مثلنا، و هي تقهر الأجساد الشقراء البراقة، و تتفوق عليهن، بهذا الجسد المطواع الذي تسلل اليأس إليه أخيرا، فالتهم حيويته، و خشب ليونته، و تركه منهكا، رميما، منشطرا على نفسه، غارقا في الخيبة و الحسرة.
و السعدية دليل واحدة من ساهمن في مغربة رياضة الجمباز الوطنية، بعد أن كان أبطالها من أبناء الفرنسيين المستعمرين، وواحدة ممن رسخت هذه الرياضة على الصعيد الوطني و ساهمت في تألقها، حيث سيطرت على بطولة المغرب طيلة فترة السبعينات، وجمعت ما بين الفوز بالبطولة و الكأس سنوات 1970، 1971، 1972، 1973، 1974، ثم غادرت هذه الرياضة لقلة اليد و للبحث عن مجالات مدرة للدخل، قبل أن تعود لمزاولتها و تفوز ببطولة المغرب وبكاس العرش كذلك لسنتي 1978، 1979 على الرغم من كبر سنها، وفازت بالبطولات المدرسية المغاربية ستني 1972، 1974، و بالعديد من البطولات لا نستطيع إدراجها لغياب الوثائق التي تؤكدها ، على اعتبار أن السعدية لا تتوفر لا على ما يدل على ذلك و لا حتى على الصور المؤرخة لانجازاتها لكون ناديها كان يحجز كل ذلك، و هي عادة عانى منها الكثير من الأبطال بهذه المدينة.
و بعد نهاية مشوارها كلاعبة ، تزوجت السعدية و أنجبت و لدا وبنتا، لكن الزمن قسى عليها و توفي بعلها، لتشتغل لمواجهة الحياة مدربة بناديها نادي اولمبيك اليوسفية ، طيلة خمس سنوات ( من 1982 الى 1986) براتب شهري لا يتجاوز 150 درهما، وهو مبلغ لا يكفي حتى لتوفير أجرة تنقلها من و الى مقر ناديها، زيادة على الضنى المترتب عن ذلك، تقول السعدية « كنت أدرب أفواجا عدة في اليوم الواحد، لا يقل عدد الفوج فيه عن 40 بنتا، اغلبهن بطلات ، حيث كنت اشتغل من الساعة التاسعة صباحا حتى منتصف النهار، ثم من الثانية بعد الزوال حتى السادسة مساء، ثم يجبرونني على ترييض نساء الأطر و كبار المسؤولين من السابعة مساء حتى التاسعة، لأعود منهكة القوى، و كل ذلك و بشكل يومي و حتى أيام العطل والآحاد و غيرها و براتب لا يتجاوز 150 درهما، و كنت اصبر على ذلك، لأنهم كانوا يؤكدون لي أنهم يمتحنوني بذلك، و سيتم بعدها تشغيلي بصفة رسمية بالمكتب الشريف للفوسفاط ، المؤسسة المحتضنة للنادي إلى أن تيقنت أن ذلك مجرد كذب و افتراء، فخرجت ابحث عن لقمة أبنائي في معترك الحياة »
و رغم قصر فترة التدريب ، استطاعت السعدية دليل أن تكون بطلات وشمن رياضة الجمباز المغربي و العربي، حيث دربت إلى جانب مدربين آخرين كل من النظيفي كريمة، بطلة المغرب لسنوات عدة و مدربة سابقة للنخبة الوطنية و مدربة حالية لنادي اولمبيك اليوسفية ، وامنحار، بطلة المغرب في الثمانينات و مؤطرة دولية في هذه الرياضة، و الغواتي كريمة، إحدى أشهر البطلات المغربيات ، و ساهمت في إنجاب العديد من البطلات..
و عل اشد ما يثقل عل السعدية الآن، بعد هذا المشوار الطويل، ( من مواليد 1958 )، هي سياسة التمييز التي وصمت مسيرتها، و التي جعلت الاقل من مستواها يحزن على العمل سواء بالنادي او الشركة المحتضنة له، تقول السعدية، « لقد تالقت في المنتخب المغربي على الرغم من كوني كنت الأصغر به، و خدمت نادي اولمبيك اليوسفية و عملت على تألقه على المستوى القاري، و كوفئت على ذلك بالإهمال و التنكر، بينما كوفئت بعضهن ( نتحفظ على ذكر الأسماء) بان نصبن مؤطرات و مدربات و هن يفتقرن إلى انجازات تضاهي حتى و لو نصف ما أنجزته، أتدري لماذا، لأنني من عائلة فقيرة، و لا تدخلات لدي » ، بل أكثر من ذلك، تضيف السعدية، « اتصلت بي إحدى الأندية الرباطية ، حينذاك، لأشرف على تدريب فريقها، و براتب جد مغري، إلا أن مسئولي النادي رفضوا التصريح لي بانتقالي، مما فوت علي فرصة ذهبية لتحقيق نقلة في حياتي »
و بنوع من التهكم تشير السعدية كيف كان الناخب الوطني يعمد الى تزوير شهادة مدرسية تثبت انها ما زالت تدرس بالثانوي حتى يتمكن من إدراج اسمها ضمن لائحة المشاركات في البطولة المدرسية المغاربية ، بينما لم يشغلوها لغياب مستوى دراسي لها مع العلم ان احدى المحظوظات شغلت منصبا رفيعا بنادي اولمبيك اليوسفية، ومن بعده نادي اولمبيك خريبكة، اقل منها مستوى ، و ليس في جعبتها أي لقب، اللهم اسمها و مكانة اسرتها.
إلا أن المطمح الكبير الذي تأمل السعدية تحقيقه هو استرجاعها للوثائق و الصور التي تشهد على تألقها، و تمكينها من ميدالياتها و مختلف الكؤوس التي حصلت عليها، لتكون عزاءها في فقرها، و شاهدة على تنكر ناديها، و من وراءه الوطن ككل، لانجازاتها.
نشر بجريدة الاحداث المغربية
0 commentaires:
Enregistrer un commentaire